|
ما إستولى اليأس على أمة إلا أخملها و لا خامر قلوب قوم إلا اضعفها.
و ناهيك بضعف القلوب مخملاً، فإنه أشد ألماً من مرض الأجسام، و شر أثراً من وقع الحسام.
أما الخمول - و هو أثر من آثار اليأس- فقد يجعل المرء كالحيوان الأعجم، لا يعرف من هذه الحياة إلا ما تهتدي إليه البهائم بالسوق الطبيعي: من التمتع بالمطاعم و المشارب و الملذات.
قد قرن الله اليأس بالكفر به، في قوله:(لا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، فانظر ما أعظم ذنب اليائسين.
و ليس هذا الذنب رائناً، على قلب مرتكبه في الحياة الكبرى فقط، بل هو يغشي مجترمه في هذه الحياة الصغرى أيضاً، إذ لو عرضت له أمور يجب أن يقوم بأعبائها، فاستبطأ نتائجها، أو استكبر أن تكون، لرأيته معرضاً عنها اعراض الجبان، عن منازلة الشجعان.
مع أنه لو ثابر على القيام بها، و واظب على مصادمة ما يعتروه من العوامل في سبيل تحقيقها، و ثبت أمام العقبات التي دونها، فذللها بجدٍ جاد، و عزم وقاد، و نفوذ نظرٍ حاد، لأتته منقادةً إليه، ونال من نتائجها ما يروم.
و لكن، هو اليأس، مهدم الآمال، و مقوض أركان الأعمال.
لو رغبت إلا كثير من الناس عندنا - ممن يستطيعون القيام بعظائم الأعمال، التي يعود نفعها على الوطن و ابنائه- أن يقوموا بأمر من الأمور النافعة، لأعتذر عن ذلك بما لا يقبل من حجة، و ما لا يؤبه له من إعتذار.
ما عذر من حجته اليأس من نجاح المشروعات، و برهانه صعوبة نجاح الأعمال؟!
ما ذلك، لعمر الحق بحجة، و ما على قولهم اثارة من برهان صحيح.
ولكن هو اليأس، قاتل الله اليأس، و أقال اليائسين عثراتهم، و أناف بهم على يافع العمل، و أخذ بأيديهم إلا صالح العمل.
إن اليأس قد تمكن من القلوب إلا أقلها، و استحكمت حلقاته في النفوس، غير نفس قد تداركها الله ببصيص من نور الآمال، فأدركت مغبة المآل و سعت إلا تحسين الحال، لتجني ثمرات الإستقبال.
فلا تكونوا، أيها الناشئون، من اليائسين، الكسالى الخاملين.
فما اليأس إلا الموت في الحياة، و شقاء بعد الموت.
فأذبحوا اليأس، و قووا البأس، تكونوا من المفلحين. |